محمد عبد الله دراز
304
دستور الأخلاق في القرآن
ويرى هؤلاء المفكرون أنّه لكي يمكن اختيار أحد النّقيضين اختيارا نهائيا ، وتحقيقه ، يجب مطلقا أن تتوفر فيه بعض الشّروط الخاصة ، وأن تكون له علة تقتضيه اقتضاءا تاما ، يجعل من المستحيل أن يختار النّقيض ، وإذا عدم هذا ظل الجانب المختار في حالة الإمكان ، دون أن يبلغ مطلقا درجة الفعل « 1 » . وتأتي بعد ذلك نظرية الخوارزمي ، والزّمخشري ، وقد اكتفيا ببعض الأسباب المرجحة ، بدلا من اشتراط ضرورة علة موجبة « 2 » . ثمّ تأتي أخيرا نظرية أكثرية المعتزلة ، وهم يرون أنّ الاختيار الإرادي لا يتطلب وجود شيء سوى ذاته ، وفي رأيهم أنّ الفاعل المختار لا يمكن تحديده أو تمييزه عن الموجب بالذات إلّا بقدرته المزدوجة على الفعل ، أو التّرك ، بحسب إرادته وحدها ، وبنفس الإمكان ، دون أن يخضع ، أو يستمال ببعض الأمور الخارجة عن الدّفاع الخاص . ومن المألوف في هذا الصّدد مثال الإنسان الّذي يواجه عدوه ، فيأخذ في الهرب ، ويجد نفسه في مفترق طرق ، فيختار أي الطّريقين المفتوحين أمامه ، ولقد تردد الرّازي ، وبعض الأشاعرة بين النّظريتين المتطرفتين « 3 » .
--> ( 1 ) انظر ، منهاج السّنة ، لابن تيمية : 1 / 110 . ( 2 ) انظر ، المرجع السّابق : 2 / 5 ، قال ابن تيمية : « وهو باطل ، فإنّه إذا لم ينته إلى حدّ الوجوب كان ممكنا ، فيحتاج إلى مرجح ، فما ثمّ إلّا واجب أو ممكن ، والممكن يقبل الوجود والعدم » . ( المعرب ) . ( 3 ) انظر ، منهاج السّنة : 1 / 111 ، وقد صور ابن تيمية تردد هؤلاء على هذا النّحو ، قال : كانوا « إذا ناظروا المعتزلة في مسائل القدر أبطلوا هذا الأصل ، وبينوا أنّ الفعل يجب وجوده عند وجود المرجح التّام ، وأنّه يمتنع فعله بدون المرجح التّام ، وينصرون أنّ القادر المختار لا يرجح أحد مقدوريه على الآخر إلّا -